أبو الليث السمرقندي
557
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
دخل معهم ، وإن وجدهم على غير الاستقامة أنكر عليهم . فقال لهم إبراهيم : ما تَعْبُدُونَ ؟ قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ أي : فنقيم عليها عابدين ، فأراد أن يبين عيب فعلهم فقال : قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ يعني : هل تجيبكم الآلهة ، سمّى الإجابة سمعا ، لأن السمع سبب الإجابة إِذْ تَدْعُونَ يعني : هل يجيبونكم إذا دعوتموهم أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ إذا عبدتموهم أَوْ يَضُرُّونَ يعني : يضرونكم إن لم تعبدوهم قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ يعني : وجدنا آباءنا يعبدونهم ، هكذا فنحن نعبدهم . قالَ لهم إبراهيم عليه السلام أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الإعلام ، يعني : اعلموا أن الذي كنتم تعبدون أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ وأجدادكم يعني : معبودكم ومعبود آبائكم وأجدادكم الْأَقْدَمُونَ يعني : الماضين فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي يعني : هم أعدائي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ يقال معناه : إلا من يعبد رب العالمين . ويقال : كانوا يعبدون مع اللّه الآلهة ، فقال لهم : جميع ما تعبدون من الآلهة ، فهو عدو لي إلا رب العالمين ، فإنه ليس بعدوّ لي . ويقال : معناه أتبرأ من أفعالكم وأقوالكم ، إلا الذي تقولون : رب العالمين وهو قوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] ويقال : إِلَّا بمعنى لكن ، ومعناه : فإنهم عدو لي ، لكن رب العالمين ، يعني : لكن أعبد رب العالمين . ثم وصف لهم رب العالمين فقال : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ يعني : يحفظني ويثبّتني على الهدى وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ يعني : هو الذي يرزقني ويرحمني . ثم قال : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ فقد أضاف سائر الأشياء إلى اللّه تعالى ، وأضاف المرض إلى نفسه ، لأن المرض بكسب يده كقوله عز وجل : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] وفيه كفارة وإذا كان أصله من كسب نفسه ، أضافه إلى نفسه . ثم قال : وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ يعني : يميتني في الدنيا ، ويحييني للبعث وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ يعني : أرجو أن يغفر خطيئتي ، وهو قوله : إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] ويقال قوله : هذا رَبِّي * [ الأنعام : 78 ] ويقال : ما كان نبي من الأنبياء عليهم السلام إلا وقد همّ بزلة . ثم قال : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً يعني : النبوة وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يعني : بالمرسلين في الجنة وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ يعني : الثناء الحسن في الباقين ، وإنما أراد بالثناء الحسن ، لكي يقتدوا به ، فيكون له مثل أجر من اقتدى به وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ يعني : اجعلني ممن ينزل فيها . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 86 إلى 89 ] وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 )